رحيل الكاتب الساخر محمد طمليه
كتبهامحمد الجهالين ، في 25 تشرين الأول 2008 الساعة: 08:32 ص
13/10/2008 انتقل الكاتب الصديق محمد طمليه إلى رحمة الله ، إثر إصابته بالسرطان .
لم نشترك يا محمد في الأيدولوجيا الثورية ، إلا أننا اشتركنا في هاجس الثورة واللقمة الحرة ، ما زلت أذكر آخر قصة في مجموعتك الثانية المتحمسون الأوغاد عام 1984 المتوشحة بإهدائك الصديق .
عن الأحذية
قصة قصيرة للراحل الكاتب الأردني الساخر محمد طمليه
كان الجو باردا
حين غرفت أمي الماء من البرميل لتحضير الشاي ، اصطدم الإناء بطبقة من الجليد ، فقالت لي :
ـ إنك لا تستطيع الذهاب إلى المدرسة بما عليك من ملابس ، انتظر ريثما أعطيك المعطف والحذاء الجديدين .
أخرجت من قاع صندوق الملابس معطفا نسائيا ، داكن اللون ، وحذاء طويل العنق ، قالت :
ـ لقد اشتريت هذه الأشياء من بائع جوال جاء بالأمس، إنها جديدة كما ترى .
وضعتني أمي في المعطف الضخم وأخذت تحكم إغلاق الأزرار بحيث لا ينفذ الهواء إلى صدري.
ـ أمي ، إن له رائحة كريهة ! .
ـ استدر لأرى إنه ممتاز، خذ الحذاء .
سرعان ما هوت قدمي الصغيرة في جوف الحذاء الذي بلغ ركبتي .
ـ إنني لا أستطيع المشي بهذا الحذاء الكبير .
ـ إنه خير من الصندل على كل حال، هيا اربط الرباط .
ـ لكنه مثقوب .
ـ إنه ممتاز . لقد اشتريته بثلاثين قرشا ، هيا أرني كيف تبدو الآن .
ضحكت أمي حين رأتني أمشي في الغرفة وأنا أكاد أقع.
لكنها تداركت الأمر قائلة :
ـ لا بأس يا حبيبي ، فالبرد لا يرحم ، ولكن حافظ على المعطف نظيفا ، فإذا أمطرت السماء تمسك بطرف المعطف كي لا يتلطخ بالطين .
في الطريق إلى المدرسة ، أمطرت السماء وصفع المطر وجهي . كنت أجد صعوبة في الحركة . فالمعطف يجر على الأرض والحذاء يتطلب جهدا إضافيا في كل خطوة. حاولت أن أرفع طرف المعطف عن الأرض كما أوصتني أمي. فسقطت حقيبة الكتب في بركة ماء صغيرة . كان المطر يهطل غزيرا ، والهواء القوي يندفع بالاتجاه المعاكس لي . كنت لا أستطيع النظر أمامي ، لقد تسرب الماء عبر ياقة المعطف إلى ظهري. فشعرت ببرودة شديدة ولكني لم أكترث. فقد كنت أفكر : ماذا لو رآني التلاميذ على هيئتي هذه ؟ سأكون أضحوكة بلا شك ، إنه لا يجوز أن نرتدي ملابس النساء.
خطر لي أن أرجع إلى البيت . كان مجرد خاطر .خطر لي أن أتخلص من المعطف والحذاء نهائيا . كان مجرد خاطر أيضا. توصلت إلى قرار نهائي : أضع المعطف والحذاء في مكان هنا واذهب إلى المدرسة دونهما. نظرت حولي : لم يكن ثمة أحد . حفرت تحت صخرة معلومة وأخفيت المعطف والحذاء. وشعرت بارتياح كما لو تخلصت من حمل ثقيل . خضنت في الماء حافيا . لا بأس ، كثيرون هم الأولاد الذين يذهبون للمدرسة حفاة. إنه أمر لا يجلب العار لأحد. ركضت بأقصى سرعتي شاعرا بحيويتي المعتادة.
كنا حوالي سبعين تلميذا في غرفة صغيرة. النوافذ بلا زجاج ، الهواء يزمر في الغرفة . التلاميذ يتراصون طلبا للدفء. الأستاذ يقرأ في كتاب الإنجليزي ذلك الدرس المتعلق بزيارة سمير وسلمى إلى لندن.
تأخر أستاذ الحصة الثانية عن القدوم . كانت أقدام الحفاة منا قد أوشكت على التجمد . جاء مدير المدرسة وقال لنا :
ـ ستخرجون بانتظام لمقابلة اللجنة في الإدارة.
لجنة؟ ما الذي تريده اللجنة منا ؟ شعرنا بالخوف الشديد وأخذنا نتساءل إن كان أحدنا قد فعل شيئا يستوجب قدوم هذه اللجنة. وحفظا للنظام أخرجونا واحدا واحدا.
كنا ننتظر أن يعلو صراخ أول الذاهبين على اعتبار أنه يتعرض للضرب المبرح . فوجئنا حين عاد التلميذ تحت أبطه حذاء جديدا. أخبرنا ذلك التلميذ أن اللجنة مؤلفة من ثلاثة رجال وجبل كبير من الأحذية الجديدة . لم نصدق بالطبع. عاد التلميذ الثاني وقد حصل هو الآخر على حذاء.
وعمت الفوضى واخذ التلاميذ يتقافزون فرحا .
جاء دوري . هرولت بأقصى سرعة إلى الإدارة . وجدت نفسي أمام جبل من الأحذية بالفعل. أحد الرجال سألني
ـ كم نمرة رجلك ؟.
ـ ها ؟؟؟؟؟.
سألني بضيق
ـ كم نمرة رجلك ؟.
لم أكن أعرف أن للرجل نمرة. لكنني سمعت مرة أحد أقربائنا قد أوصى أخاه المسافر إلى السعودية بأن يجلب له حذاء نمرة 42 فثلت من فوري :
ـ نمرة رجلي 42.
أعطاني الرجل حذاء . عدت إلى الصف فخورا لكنني عرفت الإجابة الصحيحة . كان التلاميذ قد انتعلوا أحذيتهم الجديدة وقد أخذوا يدقون الأرض بها جربت الحذاء ، لكن قدمي الصغيرة غاصت فيه حتى آخرها . حاولت ثانية ، فتبين لي أنه أكبر بكثير من ذلك الحذاء النسائي ، كدت انفجر من الغيظ ، فكرت أن أرجع للجنة لكنني خشيت أن يصادروا الحذاء. كان التلاميذ مشغولين بأحذيتهم فلم ينتبهوا لمصيبتي . دفنت رأسي بين يدي وبكيت .
في طريق العودة ، لم أشأ أن انتعل الحذاء خوفا من سخرية التلاميذ . حاولت أن أبدو فرحا مثلهم . كانت السماء تمطر، فسألني أحدهم:
ـ أيها المجنون ، كيف تمشي حافيا وقد صار لديك حذاء .
أجبته :
ـ سأحتفظ به للعيد القادم .
أطرق قليلا ، فكأنما راقت له الفكرة ثم مضى.
اختلطت دموعي بالمطر ، لم اعد اكترث بالهواء المندفع في وجهي ، ولا بالماء الذي بلل ملابسي . ذهبت إلى الصخرة التي أخفيت تحتها المعطف والحذاء النسائيين ، ارتديت المعطف وانتعلت الحذاء ، وخوفا من لوم أمي إن هي عرفت خيبتي . أخفيت الحذاء الجديد تحت الصخرة.
قلت في نفسي :
سأعود إليه عندما أكبر
أعجبتني الفكرة . فابتسمت وقد زال حزني.
هذه قصة من قصص طمليه المحتشدة آها واحتمالا وابتساما ، براعة في التصوير النفسي ، وافتنان في التعبير الحسي ، توقفت كثيرا عند عبارته : لم أكن أعرف أن للرجل نمرة ، لا شك أن طمليه عرفها بعد السادس الابتدائي حيث درس الإنجليزي سمير وسلمى في لندن ، وحيث لجنة توزيع الأحذية .
لقد سقت هذه القصة للراحل طمليه متوقفا عند العز الذي ينعم به كثير من طلاب المدارس هذه الأيام ، فأولادنا من باب البيت إلى باب الباص أو السيارة، ومن باب المدرسة إلى باب السيارة أو الباص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























نوفمبر 22nd, 2008 at 22 نوفمبر 2008 5:59 ص
رحمه الله …..
أعجبتني القصة من عنوانها تراقص قلبي فرحا عندما شعرت بأنني سأقرأ قصة …..
ربما تكون من واقعنا هذا، ولكن هيهات أن يكون الجو ماطرا “لا اعتراض على حكم الله” بل أقولها اعتراضا علينا ……
مع خالص حبي لكم :سوار صالح محمد أبودريع